عبد الوهاب الشعراني

618

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )

اعلم أن الدنيا أكمل نشأة من الآخرة ، لأن الدنيا دار تمييز واختلاط وتكليف والآخرة دار تمييز فقط ولا يكون فيها تشريع قط كما في الدنيا إلا في موطن واحد وذلك حين يدعى أهل الأعراف إلى السجود فيسجدون فترجح بتلك السجدة ميزانهم وأطال في ذلك . ثم قال : واعلم أن اللّه تعالى قد أمرنا بالإحسان إلى أمهاتنا وعدم عقوقهن فما قام بذلك الأدب إلا قليل من الناس ومعلوم أن الدنيا هي أمنا التي ولدتنا فإذا قال الواحد منا لعن اللّه الدنيا قالت الدنيا لعن اللّه أعصانا لربه عز وجل كما ورد في الحديث ، ومن لعن أمه فهو عاق لها بلا شك وليتأمل الشخص شدة أدبها وحنوها على أولادها في قولها لعن اللّه أعصانا لربه فما قدرت أن تلعن من لعنها بحكم التعيين ولا على أن تسميه باسمه وهذا من حنو الوالدة وشفقتها على ولدها وفي الحديث : « الدنيا مطية المؤمن عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشر » فوصفها بأنها من شدة حنوها على أولادها تذكرهم بالشر وتهرب بهم منها وتزين لهم الخير وتسوقهم إليه فهي تسافر بهم وتحملهم من موطن الشر إلى موطن الخير كل ذلك لشدة مراقبتها إلى ما أنزل اللّه تعالى فيها من الأوامر الإلهية المسماة شرائع فيجب أن يقوم بها أبناؤها ليسعدوا فواعجبا منا كيف لم نتبع أخلاق أمنا ولا وقفنا عند حدود ربنا كما وقفت أمنا فينبغي لكل عبد أن يراقب حال أمه فإن الطفل لا يفتح عينه إلا على أمه ولا يبصر إلا هي ولذلك كان يحبها ويميل إليها طبعا ومن أخلاق الدنيا أنه لا يهون عليها نسبة أحد من أبنائها إلى الآخرة لأنها ما ولدتهم ولا تعبت في تربيتهم ومن عقوقنا لها أننا ننسب الشرور والأنكاد إليها والحال أنها أحوالنا ما هي أحوالها والشر إنما هو فعل المكلف لا فعلها هي ومن أشد ما عليها هي أيضا